د هالة أبو يوسف تكتب: كيف تؤثر «الرقمنة» في الأمن الغذائي وإدارة المبيدات الزراعية؟
رئيس لجنة المبيدات – وزارة الزراعة – مصر
في عالم يشهد تسارعًا غير مسبوق في التحول الرقمي، وتتعاظم فيه التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والصحة العامة وحماية البيئة، يبرز ملف إدارة مبيدات الافات الزراعية كأحد الملفات الهامة التي في حاجة ماسة للاستفادة بتكنولوجيا التحول الرقمي كضرورة استراتيجية لا غنى عنها فرضتها متطلبات حماية صحة المواطن، والحفاظ على الموارد البيئية، وضمان نفاذ الصادرات الزراعية المصرية إلى الأسواق العالمية التي تزداد تشددًا في معاييرها يومًا بعد يوم.
على مدى عقود، اعتمدت إدارة المبيدات على منظومات ورقية وإجراءات متفرقة، الأمر الذي أوجد فجوة حقيقية بين الكم الهائل من البيانات الناتجة من العمل اليومي في مجال تسجيل وتداول واستخدام المبيدات والقدرة الفعلية على تحليلها والاستفادة منها في دعم القرار.
في هذا السياق، تمثل الرقمنة تحولًا جذريًا لا يقتصر على تحويل المستندات من الورق إلى الشكل الإلكتروني، بل يمتد إلى إعادة هيكلة لمنظومة إدارة المبيدات. إنها انتقال واعٍ من منطق الإجراءات المنعزلة إلى منطق المنظومة الذكية المتكاملة، القائمة على توظيف البيانات والتحليل الآني وإدارة المخاطر بصورة استباقية. منظومة تبدأ منذ مراحل تقييم وتسجيل المبيد، وتمر بتتبع تداوله عبر سلسلة الإمداد، وتنتهي بمراقبة متبقياته في المنتج الزراعي والبيئة المحيطة.
لجنة المبيدات ومسؤولية الحكومة الحديثة للمبيدات
وتقف لجنة مبيدات الآفات الزراعية في قلب هذا التحول، بوصفها الجهة الوطنية المسؤولة عن قيادة منظومة الحوكمة الحديثة للمبيدات. فقد أدركت اللجنة أن فاعلية الرقابة في العصر الحديث لا تتحقق إلا من خلال أدوات رقمية قادرة على ربط أطراف المنظومة كافة، من الباحث والمُسجل، إلى التاجر والمفتش، وصولًا إلى المزارع والمُصدر. ويقود هذا النهج إلى ترسيخ مفهوم حوكمة المبيدات، القائم على الانتقال من ثقافة رد الفعل والرقابة اللاحقة إلى ثقافة الوقاية وإدارة المخاطر قبل وقوعها.
وتتيح النظم الرقمية الحديثة إمكانية تتبع عبوة المبيد منذ خروجها من المصنع وحتى وصولها إلى الحقل، وربط هذه البيانات ببرامج التفتيش ونتائج تحليل المتبقيات والتنبيهات الواردة من الأسواق الدولية. وبهذا تتحول البيانات من مجرد أرقام جامدة إلى نظام إنذار مبكر قادر على كشف مواطن الخلل، وتوجيه الموارد الرقابية بكفاءة أعلى، وتعزيز قدرة الدولة على الاستجابة السريعة للتحديات.
تطبيقات الرقمنة في إستخدام وتداول المبيدات
وتكمن القوة الحقيقية للرقمنة في قدرتها على تحويل البيانات إلى معلومات ثم تحويل المعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ. فمن خلال تحليل أنماط الاستخدام والتداول، يمكن توجيه جهود الرقابة إلى المناطق والمحاصيل الأكثر عرضة للمخالفات، ودعم المزارعين بمصادر موثوقة للمعلومات حول المبيدات المسجلة ومعدلات الاستخدام الصحيحة وفترات الأمان (ما قبل الحصاد)، بما يقلل الاعتماد على الخبرات الشفوية غير الدقيقة، ويحميهم من الوقوع ضحية للغش أو المخالفات غير المقصودة. كما تسهم هذه النظم في تعزيز الشفافية وتقليل الاجتهادات الفردية، وبناء جسور الثقة بين جميع أطراف السلسلة الزراعية، من الحقل وحتى المستهلك في الأسواق العالمية.
ولا يقتصر أثر الرقمنة على الرقابة فحسب، بل يمتد ليصبح أداة داعمة للتنمية المستدامة. فتحليل البيانات المتراكمة حول استخدام المبيدات يوفر أساسًا علميًا لرسم سياسات ترشيد الاستخدام، وتشجيع تطبيق مبادئ المكافحة المتكاملة للآفات، والتحول التدريجي نحو البدائل الأكثر أمانًا. كما تمثل هذه البيانات ركيزة مهمة لدعم البحث العلمي وصياغة السياسات الزراعية القائمة على الأدلة.
الرقمنة والإستدامة في عالم المبيدات
وفي قلب هذه المنظومة يبقى المزارع هو المحور الأساسي الأكثر تأثرًا. فالرقمنة لا تُطرح كعبء إداري إضافي، بل كوسيلة تمكين وحماية، تضمن له الوصول إلى المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب، وتساعده على تجنب المخالفات التي قد تهدد محصوله أو تعرقل فرصه في التصدير. كما أن الاستخدام المسئول للمبيدات، المدعوم بالبيانات، يسهم في تحسين جودة الإنتاج وتقليل الفاقد وتعزيز العائد الاقتصادي على المدى الطويل.
ورغم ما تحقق من خطوات ملموسة، لا تزال هناك تحديات تتطلب عملاً متواصلاً، في مقدمتها ضمان استمرارية المنظومة الرقمية وتوسيع نطاقها لتشمل جميع الجهات ذات الصلة، وبناء القدرات البشرية القادرة على إدارة هذه النظم وتحليل مخرجاتها، فضلًا عن دمج رقمنة المبيدات ضمن رؤية أشمل لمنظومة زراعية رقمية متكاملة تشمل إدارة المياه والبذور والأسمدة.
وفي المحصلة، تمثل الرقمنة في إدارة المبيدات استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل مصر الغذائي والبيئي والاقتصادي. فهي استثمار في صحة المواطن، ونقاء البيئة، وسمعة الصادرات الزراعية المصرية في الأسواق العالمية. إنها الضمان الحقيقي لزراعة عصرية قادرة على مواجهة تحديات التغير المناخي والتنافس التجاري العالمي، والعمل وفق شروط العصر القائمة على الشفافية، والتتبع، والجودة الآمنة، وبذلك تصبح الرقمنة حجر الزاوية في بناء مستقبل غذائي مستدام وآمن لمصر.
